Blog
أخر الأخبار

الحياة في الواحات ومقاومة التحديات:

حياة الواحات حياة وسط جملة من التحديات لا تنتهي، ويحاول الانسان الواحي صناعة التحدي كما عادته وكما تقتضي الظرفية الراهنة، فقد ألف هذا الانسان قساوة ظروفه، الطبيعية منها والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، هذا التعود نابع من استمراره في بيئته منذ زمن غابر، فقد تعرض لكل انواع الصعوبات وتمكن من صناعة بدائل تقيه من تقلبات الزمان ومكنته من البقاء في محيطه والاعتناء به.

في وقتنا الحاضر يواجه انسان الواحات تحديا متناميا، يتمثل في التغيرات الاقتصادية المتسارعة، والانتقال الفجائي من انماط تقليدية الى نمط حديث لا يؤمن بالثبات ولا يعد بالأمان، حيث أن نمط الانتاج المحلي لم يعد قادرا على تحقيق الاكتفاء وتلبية حاجيات العصر، مما اضطر سكان الواحات في احيان عديدة على تجديد ممارساتهم الاقتصادية في مجال الفلاحة مثلا، حيث أنبتت الضيعات الكبرى وتركت الفلاحة المعاشية التي لم تعد تكفي في شئ، وتنامت انشطة ومهن وخدمات أخرى ما جعل مجال الواحات يتقلص لصالح البناء الحديث وزحف الاسمنت. هذا التحدي الاقتصادي خلق وعيا جديدا وعلاقة جديدة بالبيئة الواحية حيث ينظر اليها بعين اخرى يختلط فيها الحنين بالمقاومة، ويعي الانسان الواحي بأنه مرغم على تبني نظرة اخرى للوجود كي يندمج بشكل او باخر في روح العصر، وانضافت الهجرة الى جملة الممارسات العصرية، حيث يهاجر الشباب وحتى غيرهم الى المدن الكبرى والى خارج البلاد بحثا عن لقمة العيش، ومنه العودة الى الواحات في زيارات خاطفة بافكار جديدة وتمثلات احيانا كثيرة لا تيتوعبها السياسات المحلية في الواحات ولعل ابرزها تحديث انساق الانتاج الاقتصادي الواحي، الامر الذي تلزمه دراسات واستثمارات كبيرة ليست بالسهلة المنال، وايضا ليس سهلا ان تجد لها اذانا صاغية من طرف صناع القرار ومن طرف ذوي النفوذ والمال.

الى جانب التحدي الاقتصادي المؤرق، هناك تحدي مهم لا ينفصل عنه، بل يكمله او يكبله، اي قد يوجهه الى بر الامان او يجعل منه كلاما للتغني لا اقل ولا اكثر، انه تحدي السياسة او ما أفضل تسميته الحكامة، وما احوجنا الى حكامة تكون جيدة، اي تتبنى ممارسات حكيمة تجاه الانسان والبيئة والزمان والمكان، هذا التحدي يشكل قطب رحى التنمية المحلية، لانه هو القادر على تنزيل الافكار وتحويل الاحلام الى واقع، او بالمقابل عرقلة المبادرات والزج بها الى غياهب النسيان. وتشكل، وفق ما أراه، السياسات المحلية بالواحات عائقا اكثر مما تشكل عامل دفع الى الامام لأنها لا تضخ ما يكفي من تحفيزات وتمويلات لأبناء الواحات قصد تطوير حياتهم، حيث أننا نسجل تأخرا في البنى التحتية المواكبة لكل الفئات، وكذا نوعا من الشطط في توزيع الاراضي وايضا ادخال استثمارات جائرة تفيد ثلة او نخبة قليلة جدا، حيث بامكان مالك ضيعة فلاحية واحدة لا نفع لها ان يستولي على مياه كثيرة تفيد الافا مؤلفة من السكان المحليين.

هذا الوضع عمقته الافكار البالية التي لا زالت تكبل الوعي الواحي، افكار انقسامية مثل تعيد صراعات الماضي وضغائنه الى الواجهة، تختفي وتظهر في مناسبات محددة، كالانتخابات ومناسبات تقسيم اراضي الجموع وغيرها، وتؤثر بشكل كبير في النسيج السوسيوقتصادي المحلي. كل هذا خلف نقصا في خدمات عديدة كالمرافق العمومية، الصحية والاجتماعية والتربوية…

اذن النتيجة هي تحديات اجتماعية يعاد انتاجها، كالفقر والهشاشة وقلة فرص العمل والهجرة والصراعات الداخلية وتناقص الارتباط بالمجال… هذا يؤثر سلبا على وعي الاجيال خصوصا الصاعدة ويخلق لديها اجتثاث في الوعي.

الى جانب ذلك، هناك تحدي بيئي ينضاف بقوة، حيث تناقصت مساحة الاراضي المزروعة بسبب توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية والتصحر، ما يجعل الواحات غير قادرة على انتاج حتى ما يسد رمق اهلها، والادهى والامر تنامي السلوكات والممارسات الغير صديقة للبيئة، يعني عامل بشري مساهم في التدهور.

الا اننا ومن منطق تحمل المسؤولية التاريخية كأبناء هذا المجال وكفاعلين وسطه، يجب علينا ككتلة تعي دورها أن ندعم ما هو ايجابي ونبرزه بل ونوصله الى جميع الفئات، اي العمل ضروري على التوعية والتحسيس وتبادل الافكار والتجارب، خصوصا مع الساكنه التي لها علاقة مباشرة مع المجال، عبر الانصات اليها وزرع الامل في نفوسها، وضروري دعم ممارساتها الجيدة لانها هي التي توحي بانها تنتمي الى المجال، لكن ايضا المسؤولية ملقاة على الفاعل السياسي لانه هو من يتحمل مسؤولية امن الناس اكان النفسي او الاجتماعي او الاقتصادي، وعليه ان يسهر على جلب الاستثمارات الحسنة والصديقة للمجال، ودعم الشباب وتكوينهم وتحويل احلامهم الى واقع وتوجيه اندفاعاتهم الى ما يخدم الصالح العام، الى جانب ذلك هناك الفاعل الاقتصادي الذي وجب علبه، من منطق الانتماء والغيرة على أصله ان يسخر امكانياته في تحقيق نهضة اقتصادية تفيد الجميع، كما لا ننسى رجال ونساء الاعلام الذين يملكون ادوات الترويج وخلق الاشعاع لدعم جاذبية هذه المناطق.

ختاما، هذا ليس تحليلا دقيقا او مفصلا او علميا لواقع الحال في واحاتنا، بل رساله او خاطرة نابعة من القلب، قد اصيب فيها في بعض التوصيفات كما قد أخطأ، لكنها في الاخير تهدف الى الصراخ في وجه كل وعي متعفن، ولرفع الطموح عاليا واستنهاض الهمم لتحقيق تنمية محلية كفيلة برفع رؤوسنا عاليا والافتخار بموطننا.

محمد هروان

زر الذهاب إلى الأعلى