Blog

من عصر التنوير الى عصرنا الراهن، ما الذي تغير؟

منذ بداية القرن العشرين الى حدود الان، وبالتحديد منذ الحربين العالميتين، كثر الحديث من طرف مفكرو وفلاسفة الغرب عن القرن الثامن عشر وبالتدقيق عما يسمى بعصر الانوار، والامر ليس اعتباطيا انما اعتبارا لاهمية تلك الحقبة وما عرفته من تحولات هامة في تاريخ الافكار السياسية الغربية حولت مسار التاريخ بشكل جذري، ومرد ذك ايضا الى الفواجع التي شهدها القرن العشرين، حروب عالمية وسيادة الانظمة الشمولية وبسط نفوذ الامبريالية والتسبب في قمع وابادة الاقليات. بينما في القرن الثامن عشر كان فكر الانوار قد وعد البشرية بسعادة كونية وذلك بتحرر الفرد من الوصاية بتعبير كانط وخروجه من قصوره واسهامه في بناء الديمقراطية والنعيم الموعود فوق الارض، فمن اين جاءت السلطوية والكليانية في القرن العشرين؟ واين نحن من الاستقلالية والحرية وسلطة العقل التي برزت لدى فلاسفة الانوار؟

اعتبر البعض ان مفاهيم كالحرية واستقلالية الفرد مفاهيم بورجوازية سقط الانوار في التأسيس لها بينما لم يكونوا الى هذا الحد من التيه بقدر ما كانوا يعون دور الفرد في المساهمة في صناعة التاريخ عبر المواطنة المبنية على اساس العقد الاجتماعي الذي تتقاطع فيه الارادات الشخصية مع الارادة العامة او ما يسمى بالمشترك، وذلك للوصول الى مجتمع تنصهر فيه تلك القوالب الجاهزة والجامدة التي تسعى لتأبيد نفس الممارسات ونفس النخب الحاكمة عبر تقديسها وجعلها قدرا ربانيا لا صناعة بشرية تاريخية تتأثر بعوامل الوعي الفردي والجمعي والتوازنات السوسيوقتصادية. فالتجربة الانسانية في فكر الانوار سعي الى فك التراتبات القائمة وهرولة نحو تحقيق المساواة الاقتصادية والاجتماعية، وكذا تفكيك للقيم المبنية على العرق والطائفة الدينية والعشيرة وضروري احداث الانتقال الى مجتمع الحداثة القائم على وحدة المصير والتضامن الفكري وتعميم المعرفة.

الا ان سقوط تلك الافكار في القرنين التاسع عشر العشرين خصوصا في أيدي نخب تعيد الى الواجهة عصر الجمود والامتيازات (عودة النبلاء الجدد) عجل بوقوع المحظور وانزاحت الجموع الى التماهي مع الفردانية والنزعة الاستهلاكية وحضيت تلك النخب الحاكمة بقدر كبير من القرار السياسي الذي حاولت عبره السيطرة على ثرورات ومصائر الافراد والمجتمعات.

هذه القوى المتسلطة في الغرب لم ترى العالم الا من خلال العقل البروميثي الغربي الذي يؤمن بأفضليته واولويته على باقي مكونات الارض، وشنت حوربها بأشكال متنوعة وحولت وفق منظور دي غوبينو العالم الى مستويات متفاوتة، منها المتحضر والمتوسط والمتوحش، هذه الايديولوجية انتجت كتلتين الاولى تحضى بالثروات المادية والمعنوية والثانية غارقة في وحل التطاحنات والمجاعات والبؤس والفقر والحروب.

هكذا ترسخت عند الكثير من الانظمة الامبريالية الغربية المدعومة بالايديووجيات الاقصائية والنرجسية فكرة الافضلية على باقي شعوب الارض، استنادا الى كونها انتجت فكر الانوار والثورة الصناعية والتكنولوجيات الحديثة وامتلكت الاسلحة المدمرة، وسمحت لنفسها باغتيال الخصوصيات المحلية لمجتمعات اخرى كثيرة في دول العالم الثالث.

بقلم محمد هروان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى